Image shows a deteriorated electrical plug shaped like rubik cube, connecting to an elecrical port shaped like an unlocked padlock.

نحو مستقبل رقمي آمن وحر في سوريا

للقراءة بالانجليزية / Read in English

لطالما وُصفت سوريا بأنها “واحدة من أخطر الأماكن في العالم لاستخدام الإنترنت”. ففي ظل حكم بشار الأسد، كان لكل خطوة رقمية ثمن؛ من التفتيش العميق لحزم البيانات لتسهيل التجسّس و”تحليل ومراقبة أنشطة مستخدمي الإنترنت السوريين”، إلى حجب المواقع للسيطرة على تدفق المعلومات، واعتقال النشطاء والصحفيين وغيرهم من المواطنين بسبب آرائهم وأنشطتهم على الإنترنت.

ومع سقوط النظام في أواخر عام 2024،  يقف السوريون اليوم أمام فرصة لبناء فضاء رقمي حر وآمن ومفتوح لتكون مساحة جامعة للمجتمع المدني ورواد الأعمال والطلاب والعائلات التي مزقتها سنوات الحرب. لكن الطريق مليء بالتحديات. فحوالي نصف البنية التحتية في سوريا “مُدمّرة أو معطلة“، بما في ذلك شبكات الاتصالات. ويُفاقم هذا الدمار تأثير عقوبات التي فُرضت على سوريا على مدى عقود، والتي لا تقتصر آثارها على خنق السوريين اقتصادياً وتعطيل إيصال المساعدات الإنسانية إليهم، بل تعيق أيضاً جهود الإعمار والتعافي الاقتصادي، بما في ذلك حظر تصدير معدات الاتصالات والتكنولوجيا ذات الاستخدام المزدوج.

في الأسبوع الماضي، أعلنت الإدارة الأميركية الجديدة بشكل مفاجئ عن نيتها رفع العقوبات عن سوريا، وسرعان ما تبعها الاتحاد الأوروبي بإعلان مماثل يقضي بإزالة جميع العقوبات الاقتصادية. تشكل هذه التطورات الإيجابية بداية ضرورية لتمكين السوريين من بناء مستقبلهم الرقمي. فالإنترنت يمثل ركيزة أساسية للمساعدات الإنسانية والتواصل والاقتصاد والحوكمة وتمكين الناس من ممارسة حقوقهم الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية. ومن دون بنية تحتية فعالة لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، تفتقر سوريا إلى العمود الفقري الرقمي الذي لا غنى عنه لإعادة إعمارها.

غير أن إعادة بناء الإنترنت في سوريا لا يقتصر على مجرد إصلاح البنية التحتية وتخفيف العقوبات، بل يتطلب أيضاً إلى مراجعة شاملة للسياسات والقوانين. وبناء عليه، سنسلط الضوء في هذا المقال على إرث القمع الرقمي في سوريا، وسنناقش بعض التحديات التقنية والقانونية التي يتعين على الحكومة الانتقالية الحالية تجاوزها لقطع صلتها بالماضي وبناء شبكة إنترنت حرة ومفتوحة لجميع السوريين.

المشهد الرقمي في سوريا: السياق والتحديات

في قلب المرحلة الانتقالية، يواجه الرئيس السوري الجديد، أحمد الشرع، تحدياً أشبه بـ “مكعب روبيك رقمي” نصف أجزائه مفقودة. فقد ورث قطاع اتصالات مُسيساً ومُدمراً بفعل الحرب. وما يزيد من مهمته تعقيداً هو تصنيف شخصه والجماعة الجهادية التي تولّت الحكم في سوريا ضمن قوائم الإرهاب من قبل مجلس الأمن والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، والذي يفرض بدوره قيوداً إضافية أمام أي جهة تحاول التعامل مع الحكومة السورية الجديدة.

ولكن يبقى أحد أكبر التحديات أمامه هو التخلي عن إرث الأسد القمعي. وعلى الرغم من قيام الحكومة الجديدة بخطوات إيجابية على هذا الصعيد مثل رفع الحجب عن المواقع الإلكترونية وإنهاء سياسة “تقنين الإنترنت“، إلا أن الطريق لا يزال طويلاً.

لسنوات، هيمن نظام الأسد على قطاع الاتصالات، بدءاً من إنشاء شركات اتصالات تابعة للحكومة تحتكر خدمات الهاتف الثابت، وصولاً إلى السيطرة على مزوّدي خدمة الإنترنت لخدمة أغراض المراقبة والتجسّس. ففي بداية الثورة التي شهدت احتجاجات واسعة، امتثلت شركتا الاتصالات “سيريتل” و”إم تي إن سوريا” لأوامر النظام بحجب الرسائل النصية القصيرة التي استخدمها المنظمون في تنسيق الاحتجاجات. كما مارست السلطات “فلترة المحتوى” لحجب المواقع الإخبارية ومنصات التواصل الاجتماعي، وأحياناً حجبت الإنترنت بالكامل كما حدث في عام 2013لإخفاء الجرائم والمجازر التي ارتكبتها القوات التابعة للحكومة” وقمع المعارضة وتكميم الأفواه.

ومما يزيد من المشهد تعقيداً هو تجزئة الإنترنت خلال سنوات الحرب. ففي مناطق المعارضة مثل إدلب، اعتمد الناس على مزودي خدمة الإنترنت في تركيا وشبكات محلية متفرقة، بينما بقيت المناطق الخاضعة للنظام متصلة بالبنية التحتية القديمة للدولة. وفي مايو 2025، أعلن وزير الاتصالات الجديد عن استراتيجية لتوحيد الشبكات ضمن مبادرتي “SilkLink” و”Ugarit 2“، بهدف إعادة بناء البنية التحتية الرقمية وسد الفجوة بين الشبكات المنقسمة وإنشاء نظام اتصالات وطني متكامل. لكن هذه المبادرات لا تزال في مراحلها الأولى.

وعلى الرغم من سقوط نظام الأسد، وقعت بين الحين والآخر انقطاعات واضطرابات في خدمة الإنترنت والتي ترجع، حسب الخطاب الرسمي، إلى “تخريب” كابلات الألياف الضوئية، مما يثير المخاوف حول استمرار عمليات حجب الإنترنت كأداة قمع في عهد الحكومة الانتقالية. إذ واظبت السلطات في سوريا سنوياً على حجب الإنترنت خلال فترات الامتحانات الدراسية تحت ذريعة منع الطلاب من الغش، وهي ممارسة مفرطة تقطع الاتصال عن ملايين الناس وتحرمهم من الوصول إلى الخدمات الأساسية. ولذلك من المهم أن يبقى التساؤل إذا ما كانت هذه الممارسة ستتوقف هذا العام محط المتابعة والاهتمام.

كما أن الحرب دمرت جزءاً كبيراً من البنية التحتية. بحلول عام 2018، كان أكثر من ثلث البنية التحتية في سوريا قد تضرر، وأكد تقرير لبرنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية أن “معظم البنى التحتية الحيوية قد دُمرت أو تضررت“. بالنسبة لكثير من السوريين، يعني ذلك سنوات من الإنترنت البطيء وغير المستقر، أما بالنسبة للعاملين في المجال الإنساني، فقد شكل ذلك عوائق كبيرة في إيصال المساعدات.

حتى في مناطق نظام الأسد التي تمتعت نسبياً بخدمة إنترنت مستقرة، خنقت القوانين القمعية حرية التعبير. فمثلاً، لجأ النظام الى جملة من المواد والمصطلحات فضفاضة ضمن قانون الجرائم الإلكترونية رقم 20 لعام 2022 مثل الإخلال “بالحياء العام على الإنترنت”، و”الجرائم ضد الدستور”، و”الإساءة إلى هيبة الدولة” لمعاقبة وسجن الصحفيين والنشطاء بسبب نشاطهم الرقمي. إذ اعتقلت السلطات منذ صدور القانون وحتى أغسطس 2023 ما لا يقل عن 146 شخص على أقل تقدير. وعليه٬ فإن أي إصلاحات تقنية أو إعادة إعمار للبنية التحتية للإنترنت دون إصلاحات قانونية جذرية لن تكون كافية.

الأسد رحل… وحان وقت رفع العقوبات

استقبل السوريون قرار الرئيس الأميركي ترامب برفع العقوبات بالفرح والأمل. فسوريا تعد من بين أكثر الدول معاقبة في العالم، وأشدّها وأطولها تلك التي فرضتها الولايات المتحدة على مدى عقود. في عام 1979، صنّفت الحكومة الأميركية سوريا كـ”دولة راعية للإرهاب“، وتبعتها بعقوبات إضافية في منتصف الألفينات بسبب تدخل النظام في لبنان واستخدامه للأسلحة الكيماوية. ورداً على الحملة القمعية الوحشية التي شنّها بشار الأسد ضد المتظاهرين عام 2011، وسّعت الولايات المتحدة نظام العقوبات المفروض على سوريا بشكل كبير، لتفرض حصاراً اقتصادياً شبه شامل. فبالإضافة إلى تجميد أصول الحكومة ومسؤوليها، حظرت الحكومة الأميركية على الأفراد الأميركيين القيام بأي نشاط تجاري أو استثماري في سوريا، ومنعت التصدير أو البيع أو تقديم الخدمات لها، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، من قبل الأفراد أو الشركات أو البنوك الأميركية.

أما قانون قيصر، الذي أُقر في ديسمبر 2019، فقد شكّل تصعيداً كبيراً جديداً في نظام العقوبات الأميركية، إذ وسّع نطاق “العقوبات الثانوية” لتشمل الجهات غير الأميركية التي تتعامل مع سوريا، بما في ذلك أولئك الذين يقدمون “دعماً مالياً أو مادياً أو تكنولوجياً كبيراً” للحكومة السورية أو المؤسسات المملوكة للدولة أو الكيانات المرتبطة بها. كما يعاقب القانون الأفراد والشركات التي تجني أرباحاً من النزاع من خلال المشاركة في جهود إعادة الإعمار.

ومع قرار الولايات المتحدة برفع بعض العقوبات عن سوريا، اتجهت الأنظار إلى الاتحاد الأوروبي الذي كان يدرس المسألة علناً. فقد فرض الاتحاد الأوروبي سلسلة من العقوبات على سوريا في عام 2011، وأنهى حينها جميع أشكال التعاون الثنائي مع الدولة السورية، وقيّد التعاملات المالية والاستثمار والتجارة في قطاعات محددة، بما في ذلك حظر تصدير التكنولوجيا والمعدات التي يمكن استخدامها في القمع الداخلي أو التجسّس. كما استهدفت العقوبات 316 فرداً سورياً و86 منظمة بقرارات حظر سفر وتجميد أصول بسبب تورطهم في انتهاكات لحقوق الإنسان.

والآن، قرّر الاتحاد الأوروبي أيضاً رفع العقوبات الاقتصادية العامة عن سوريا، مع إبقاء العقوبات المفروضة على نظام الأسد والمقرّبين منه. ويأتي هذا التطور في أعقاب تخفيف الاتحاد الأوروبي في فبراير 2025 للقيود المفروضة على قطاعات اقتصادية أساسية، مثل الطاقة والنقل والمصارف.

ومن الجدير بالذكر في هذا السياق مدى تأثير اتساع نطاق العقوبات الأميركية والأوروبية سلباً على المدنيين بشكل خاص، وتقيّيد وصولهم إلى الإنترنت والأدوات الرقمية.

فعلى سبيل المثال، في عام 2018، قامت منصتي “Coursera” و”Udemy” بحظر المستخدمين السوريين التزاماً بالعقوبات، مما حرم الطلاب من فرص التعليم في وقت الحرب. كما عطّلت العقوبات وصول الناس إلى برامج وخدمات أساسية، بما في ذلك تحديثات برامج مكافحة الفيروسات وتحديثات أنظمة التشغيل وأدوات التطوير. وفي عام 2019، أدّت العقوبات إلى تقييد وصول المطوّرين السوريين إلى منصة “GitHub”.

كما أقصت العقوبات السوريين أيضاً من النظام المالي العالمي، ما دفعهم إلى اللجوء إلى طرق شديدة الخطورة لتحويل الأموال، أحياناً مقابل تعرّضهم لخطر الاعتقال أو التعذيب. وقد حدّت خدمات مثل “PayPal” و”Amazon” من إمكانية استخدام السوريين لمنصاتها؛ مما عزلهم عن التجارة الإلكترونية وخدمات الدفع الرقمي.

وتصبح آثار هذه العقوبات أكثر حدة خلال الأزمات. ففي جائحة كورونا (كوفيد-19)، لم يتمكن السوريون من الوصول إلى خدمات مثل “Netflix” و”Zoom”، في وقت اعتمد فيه العالم على هذه المنصات الرقمية للتواصل وتحدي ظروف العزل والقلق. وبعد الزلزال المدمّر الذي ضرب سوريا عام 2023، تم حظر حملات جمع التبرعات على منصة “GoFundMe” بسبب العقوبات، مما أدى إلى تأخير وصول المساعدات.

كما يفاقم الإفراط في الامتثال للعقوبات من حجم الضرر. فالتعامل مع شبكة معقدة من قوانين العقوبات ليس بالأمر السهل، مما يدفع شركات التكنولوجيا، خوفاً من الطائلة القانونية، إلى اتخاذ خطوات تتجاوز ما تفرضه القوانين. ففي عام 2009، اعترفت منصة “LinkedIn” بأنها حظرت مستخدمين سوريين عن طريق الخطأ بسبب الإفراط في تطبيق ضوابط التصدير. وحتى اليوم، لا تزال العديد من خدمات جوجل، بما فيها “Google Play” و”Google Ads” وغيرها من الخدمات المدفوعة، غير متاحة في سوريا.

وبالنظر إلى مدى اتساع وتأثير العقوبات الأميركية والأوروبية، فإن رفعها سيكون نقطة تحول كبرى يمكن أن تغيّر حياة الملايين من السوريين على الرغم من أنه لا يزال من غير الواضح كيف ستفكك كل حكومة شبكة العقوبات المعقدة التي فرضتها، وما الأثر الذي سيترتب على حياة السوريين ومستقبلهم الرقمي. فعلى سبيل المثال، لا يعني الإعلان الأميركي الأخير بالضرورة أن الوصول إلى المنصات والأدوات المحجوبة سيُعاد تلقائياً. ولذلك من الضروري أن تضمن شركات التكنولوجيا سرعة توفير خدماتها للسوريين فور رفع القيود القانونية.

إعادة بناء سوريا رقمية حرّة ومفتوحة

استعادة المستقبل الرقمي لسوريا تتطلب التقدّم على ثلاثة مسارات مترابطة: إعادة الإعمار والإصلاح القانوني ورفع العقوبات. فبعد سنوات من الدمار الذي سببه نظام الأسد، بات من الضروري إعادة بناء المستشفيات والمدارس والطرقات. وبذات القدر من الأهمية، لا بد من إعادة بناء البنية التحتية الرقمية في سوريا، بما في ذلك كابلات الألياف الضوئية، وأبراج الاتصالات، ومراكز البيانات. فالحياة المعاصرة تعتمد على الإنترنت، وبعد أعوام عديدة من الحرب، باتت الشبكات مدمّرة ومزوّدو خدمات الإنترنت يواجهون صعوبات كثيرة. إن الوصول إلى الإنترنت ليس رفاهية، بل هو ركيزة للتعافي ورسم ملامح المرحلة المقبلة في سوريا. وضمان بيئة رقمية حرة ومفتوحة وآمنة سيفتح الباب أمام فرص جديدة، ويساعد السوريين على إعادة بناء وطنهم واقتصادهم.

وعليه، يجب على المجتمع الدولي، وخاصة الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، أن يُسارعوا في تطبيق قرارتهم برفع العقوبات التي ما زالت تقيّد استيراد الأجهزة والبرامج وتعيق الوصول إلى الخدمات المالية والرقمية اللازمة للتعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار.

وفي الوقت ذاته، ينبغي على الحكومة السورية أن تقطع صلتها بشكل حاسم مع الموروث القمعي الرقمي لنظام الأسد، وتلتزم بحماية حقوق الإنسان، سواء في الواقع أو في الفضاء الرقمي. ويقتضي ذلك أن تلغي القوانين القمعية، مثل قانون الجرائم الإلكتروني، التي تكبل حرية التعبير وتقيّد النشاط على الإنترنت. كما ينبغي أن يكون للمجتمع المدني، بما في ذلك الخبراء الذين دافعوا طويلاً عن حقوق الإنسان والمساءلة في سوريا، دور مركزي في جهود الإصلاح وإعادة الإعمار.

لقد حان الوقت لنتجاوز الاعتقالات التعسفية وحجب الإنترنت والرقابة والتجسّس وغيرها من الممارسات القمعية، وتمكين السوريين من بناء مستقبل رقمي آمن وحر.