ضربة جديدة لحرية التعبير في تونس

للقراءة بالانجليزية / Read in English

يجمع أغلب التونسيات والتونسيين على أن حرية التعبير من أهم مكاسب الثورة التونسية، إلا أنها باتت على حافة الاضمحلال بسبب التدهور الخطير الذي تشهده البلاد على المستوى السياسي والاقتصادي والاجتماعي خاصة إثر إعلان رئيس الجمهورية في 25 جويلية 2021 الحالة الاستثنائية وحل البرلمان وإلغاء الدستور، والاستحواذ على اختصاصات السلطة التشريعية، الشيء الذي مكنه من إصدار عدة مراسيم في مجالات مختلفة. 

من بين المراسيم الخطيرة التي صدرت خلال الفترة الاستثنائية نذكر المرسوم عدد 54 لسنة 2022 المؤرخ في 13 سبتمبر 2022 والمتعلق بمكافحة الجرائم المتصلة بأنظمة المعلومات والاتصال. ضاعف هذا المرسوم من هشاشة وضع حرية التعبير في تونس التي تراجعت بـ21 مرتبة سنة 2022 في التصنيف السنوي لمنظمة مراسلون بلا حدود المتعلق بحرية الصحافة وذلك بسبب ما تشهده وسائل الإعلام والصحفيين والصحفيات من صعوبات مالية كبيرة، وملاحقات قضائية للأفراد بسبب مشاركتهم في التجمعات السلمية ورفعهم لشعارات مناهضة للسلطات العمومية.

وعلى الرغم من أن إقرار المرسوم جاء في إطار مكافحة الجرائم الإلكترونية، مثل القرصنة والاحتيال سرقة البيانات على الإنترنت، إلا أن الملاحقات القضائية التي انطلقت باستعمال المرسوم 54 تجاه العديد من الأفراد جاءت على خلفية نشرهم لآراء ومعلومات ومن بينهم/ن:

تثير هذه التتبعات القضائية تساؤلات مشروعة حول الغاية الحقيقية من وراء وضع مرسوم رئاسي متعلق بالجرائم السيبرانية خاصة وأن الجرائم المنصوص عليها صلب الفصل 24 منه هي مجرمة أصلا وفقا للمرسوم عدد 115 المتعلق بحرية الصحافة والطباعة والنشر.

يعاقب الفصل 24 بالسجن مدة خمسة أعوام وبخطية قدرها خمسون ألف دينار كل من ينشر محتويات بهدف الاعتداء على حقوق الغير أو الإضرار بالأمن العام أو الدفاع الوطني أو بث الرعب بين السكان أو الحث على خطاب الكراهية. ويضاعف العقاب إذا كان الشخص المستهدف موظفا عموميا أو شبهه.

ضبابية العبارات المستعملة

يحتوي الفصل 24 من المرسوم على عبارات فضفاضة وغير دقيقة. وقع تجريم طائفة واسعة من الأفعال مثل “إنتاج، أو ترويج، أو نشر، أو إرسال، أو إعداد أخبار أو بيانات أو إشاعات كاذبة أو وثائق مصطنعة أو مزوّرة أو منسوبة كذبا للغير بهدف الاعتداء على حقوق الغير أو الإضرار بالأمن العام أو الدفاع الوطني أو بث الرعب بين السكان.”

في هذا السياق، يمكن أن نتساءل عن الفرق بين الأخبار الكاذبة والبيانات الكاذبة والإشاعات الكاذبة أو المقصود من الإضرار بالأمن العام أو بث الرعب بين السكان.

كما احتوت الفقرة الثانية من الفصل 24 على جريمة فريدة من نوعها تتمثل في ” الحث على خطاب الكراهية”. فهل يعني ذلك أن نشر خطاب الكراهية دون تحريض أو حث هو فعل غير مجرم في القانون التونسي؟

يتعارض استعمال هذه العبارات الفضفاضة مع التعليق العام رقم 34 لسنة 2011 الصادر عن اللجنة المعنية بحقوق الإنسان لدى الأمم المتحدة التي أكدت على ضرورة صياغة القوانين “بدقة كافية لكي يتسنى للفرد ضبط سلوكه وفقاً لها.” 

تفتح العبارات الفضفاضة أمام السلطات الإدارية والقضائية الباب للتوسع في التأويل وبالتالي التضييق على حرية التعبير في الفضاء الرقمي بصورة غير مشروعة.

حماية معززة للمسؤولين العموميين مقارنة ببقية المواطنين

تضمَّن الفصل 24 من المرسوم عدد 54 عقوبة شديدة متمثلة في السجن لمدة 5 أعوام وبخطية قدرها 50 ألف دينار ضد كل من يقوم بنشر أخبار أو بيانات تتضمن معطيات شخصية أو نسبة أمور غير حقيقية بهدف التشهير بالغير أو تشويه سمعته أو الإضرار به ماديا أو معنويا أو التحريض على الاعتداء عليه. ووقعت مضاعفة هذه العقوبة في صورة ما إذا كان الشخص المستهدف موظفا عموميا أو شبهه.

إن مضاعفة العقاب لا لشيء إلا لصفة المستهدف يتعارض مع الدستور التونسي لسنة 2022 الذي نص في فصله 23 على مبدأ المساواة بين الجميع. كما شددت اللجنة المعنية بحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة في التعليق العام رقم 34 لسنة 2011 على أنه “ينبغي ألا تنص القوانين على فرض عقوبات أشد صرامة على أساس هوية الشخص المطعون فيه ليس إلا.”

وإذ تتمتع الشخصيات العامة بحماية قانونية لحقها في السمعة والكرامة إلا أن عليها أن تبدي تسامحا أكبر مقارنة ببقية الأفراد نظرا لأن تولي المناصب العامة في الدولة يجعل من هؤلاء الأشخاص محل رقابة أكبر ونقد واسع وجب القبول بهما كجزء لا يتجزأ من من أعباء المسؤولية العامة.

ما علينا فعله؟

تدعو أكساس ناو السلطات التونسية إلى إلغاء المرسوم عدد 54 المخالف لدستور 2022 والالتزامات الدولية لتونس في مجال حقوق الإنسان.

كما ننبه من المخاطر التي يمكن أن تترتب عن هذه التشريعات والتصدي لها وطنيا ودوليا للحفاظ على حقوق الإنسان داخل الفضاء الرقمي أو خارجه.

  • وطنيا، ينبغي التواصل مع أعضاء مجلس نواب الشعب الذين انطلقوا مؤخرا في أشغالهم/ن بهدف إقناعهم/ن بضرورة عدم المصادقة على هذا المرسوم أو في أسوأ الأحوال على إلغاء الفصل 24 الذي يهدد حرية التعبير عبر الإنترنت.
  • دوليا، يتعين على الدول المنخرطة في المفاوضات الأممية بشأن اتفاقية دولية للتصدي للجرائم السيبرانية أن تأخذ بعين الاعتبار أن ما قامت به تونس يأتي في سياق انتشار موجة القوانين المتصلة بالجرائم السيبرانية في المنطقة أين تقوم الدول التسلطية باستعمال التصدي للجريمة السيبرانية كمطية لضرب حرية التعبير في الفضاء الرقمي وملاحقة جميع أشكال المحتوى الرقمي الذي يتناول بالنقد السلطات العامة ويفضح التجاوزات والانتهاكات التي يمكن أن ترتكبها.